30 September 2016

رحلة الإستسلام وتسليم النفس

درمشالا، شمال الهند
Original Article in English
رحلة "الإستسلام وتسليم النفس"

خلال هذه الفترة من العام الماضي، كنت قد بدأت أشعر بمزيج من الألم واليأس والإنكسار، حيث وجدت نفسي في مواقف متتالية تحطم "الأنا" في داخلي. وفي غضم تجربتي الصعبة، كان أهم ما "أنقذني" وساعدني هو أن أستسلم وأسلم نفسي. فقد أدركت أنه ليس هناك داعي لأمتلك السيطرة التامة على مجريات حياتي دائماً، وليس هناك داعي لأكون دائماً في مكان يمنحني الراحة أو الاستقرار بشكل تام، وليس هناك داعي لأن تجري الأمور دائماً وفق مخططاتي أو رغباتي. فعندما أتخلص من دور "المسؤول" وأسلم أمري، يبدو أنني في الوقت ذاته أرحب بما يقدمه الكون لي من هدايا جميلة تفوق التوقعات، وأسمح لنفسي بأن أستقبلها وأستلمها وأستمتع بها.


في الوقت ذاته، لا أنكر بأن الطريق عبر وإلى "الإستسلام تسليم النفس" قد يكون وعراً ومزيناً بالعقبات، خصوصاً عندما يتدخل "العقل" أو "الأنا" ويثرثر بصوت عال. سألتني إحدى الصديقات مؤخراً سؤالاً بسيطاً إنما جوهرياً: كيف أمارس "تسليم النفس"؟ كيف يمكنني أن أخفف من محاولة سيطرتي على الأمور وأسمح للعالم بأن يأخذني إلى أي مكان؟


وكانت إجابتي كالتالي:


التقليل من الخوف
تتمثل أحد أبرز العقبات التي تواجهنا في هذه الرحلة في التخلص أو التقليل من الشعور بالخوف، وأعني هنا الخوف من فقدان الأشياء والناس والهوية والشعور بالأمن، الخ، والخوف من التعرض للأذى، والخوف من التغيير، والخوف من المجهول، والخوف من عدم مقدرتنا على التعامل مع ما نخشاه. وهذا الخوف - للأسف وبصراحة - عادة ما نرثه بشكل أساسي من قبل أمهاتنا وآبائنا، والذين من منطلق المحبة والإهتمام، يواصلون إسقاط خوفهم علينا حتى بعد أن نكبر في العمر ونخوض تجارب الحياة بأنفسنا. وعلى الرغم من وجود سبب وجيه لتوظيف درجة من الخوف عندما كنا أطفالاً، فنحن على الأغلب لم نعد بحاجة إلى ذلك كأشخاص بالغين.


ففي الكبر، يعمل الخوف بمثابة "درع عاطفي" نرتديه لحماية أنفسنا من التعرض للألم أو الأذى، ولكنه في المقابل يحجب المشاعر والتجارب والفرص والقدرة على مشاركة المحبة وتبادلها. وكما ينصحنا المتحدث والمؤلف العالمي "ماكس ستروم" والذي يسترسل في كتابه (A Life Worth Breathing) في شرح فكرة "الدرع العاطفي"، فليس هناك داعي لنا، ككبار وبالغين، أن نواصل ارتداء هذا الدرع.


الشعور والتقبل
في محاولتنا لتقليل مخاوفنا، من المفيد جداً أن نسمح لمشاعرنا وأفكارنا بأن تكون موجودة، ونتقبلها دون أن نحكم عليها أو نقسو على أنفسنا بسببها، لأنها ببساطة جزء من التجربة الإنسانية التي نمر بها، ومن الأفضل أن نعبر عنها في بيئة رحبة ودافئة بدلاً من أن نقمعها. قد يبدو الأمر متناقضا، ولكن عندما نسمح لأنفسنا بأن نشعر ونحس، فإننا نصبح أقوى.


يمكننا أن نبدأ من خلال الإستماع لأنفسنا ولصوتنا الداخلي بمحبة، والتعبير عن أفكارنا ومشاعرنا من خلال التحدث عنها أو الكتابة أو الرسم أو أي وسيلة إبداعية أخرى. كما يمكننا أن نسمح لأنفسنا بأن نتشاركها مع الآخرين ممن نحب ونثق بهم، إذا كنا نشعر بالراحة في ذلك.


قطرة في المحيط
من المهم أن ندرك - لأنها حقيقة ثابتة - أن الكون يسير والحياة تمضي بشكل جيد من دون أن نتدخل في كل التفاصيل. قد تبدو هذه الفكرة كئيبة للبعض، أما بالنسبة لي شخصياً فإنني أشعر أنها تخلصني من عبء ليس بالضرورة علي تحمله. فكم من وقت وجهد نصب في أمور لا نؤثر فيها إلا قليلاً، وكم من مرة نظن أننا على علم بما هو الأفضل لنا فتفاجؤنا الأحداث بما يفوق توقعاتنا. إن محاولة السيطرة على كل شيء هي محاولة غير مجدية، وليس كل منا سوى جزء صغير من عالم واسع وبالغ التعقيد والاتصال، حيث كل شيء يؤثر على كل شيء. وعلى الرغم من أن لدى كل منا دور صغير نلعبه، لسنا سوى قطرات في بحر واسع المدى وبالغ العمق.


أحد التحديات هنا هو أن معظمنا يعتقد بأنه على علم بما هو الأفضل لمصلحته الشخصية. وقد يكون هذا صحيحا إلى حد ما، لأن هناك دائما مساحة لتطويرأنفسنا وإيجاد سعادة وراحة أكبر في حياتنا. وعملية تطوير الذات هي عملية مستمرة وممتعة إن شئنا لها أن تكون كذلك، ولكن المشكلة تأتي عندما نعتقد بأننا نعلم ما هو الأفضل للآخرين ونعطي أنفسنا الحق في إنتقادهم أو إسداء النصائح لهم أو حتى إعطائهم الأوامر في الأحيان. ويزداد الأمر صعوبة عندما نكون في موقع مسؤولية أو من المتوقع منا أن نكون ذو حكمة، كما في حالة الأم أو الأب أو الزوجة أو الزوج، وتكون بعض الأمور بالفعل تحتاج إلى جهد وتدخل ورأي منا، إنما بعد نقطة معينة لا يعد الأمر في أيدينا ولا بالضرورة يعنينا. عند تلك النقطة تنتهي حدود مسؤوليتنا، وينفتح أمر الشخص على المحيط الشاسع الذي يشكله الكون. وهنا من المفيد أن نتذكر أن نسمح للناس - مهما كانوا أقرباء منا - أن يكونوا كما يريدون بغض النظر عن مدى إختلافهم عنا، دون أن نحكم عليهم أو ننتقدهم أو نعاقبهم. فعندما ندع الناس يكونوا كما يشاؤون، نتعلم نحن بدورنا أن نكون كما نشاء.


الإيمان
إن "تسليم النفس" أمر يتطلب درجة من الإيمان، وليس بالضرورة أن يرتبط هذا الإيمان بدين أو فلسفة معينة، إنما قد ينبت من قيم شخصية مرسخة في جذور الشخص. فالبعض يسلم نفسه لفكرة القدر، والبعض يسلم نفسه لربه، والبعض يختار أن يتخيل أنه قطرة في بحر هذا الكون بكل ما فيه، والبعض "يسلم نفسه" عندما يشعر أنه متصل بالكل عن طريق المحبة أو المادة الفيزيائية أو الإنسانية. ومن ناحية عملية هناك تمرين يجدي نفعاً لدى تعاملنا مع شخص أو موقف صعب، أو شعورنا بالعجز تجاه فهم أمر ما أو التعامل معه، وهو أن نردد لأنفسنا "أسلم نفسي لهذ الموقف/هذه التجربة/هذا الشخص". ولكل منا طريقته في ممارسة معتقداته بالشكل الذي يراه، وهنا يكمن الجمال، في تعبيرنا عن أنفسنا والعيش وفقا لما يريحنا.


هنا. الآن. النعيم.
رحلة "الإستسلام وتسليم النفس" بالنسبة لي كانت ولا تزال رحلة جميلة تجلب شعوراً عميقاً بالرضا وسعادة تعلمت إنني أستحقها وألا أخشاها. أن "نسلم أنفسنا" لا يعني أن نكون خنوعين أو ضعفاء أو سلبيين أو بليدين، على العكس، فإنه يعني أن نقبل كل ما تأتينا الحياة به بصدر رحب وبإيجابية ومحبة وامتنان، أن نرى كم نحن محظوظين ومباركين لمرورنا بتجارب الحياة مهما اختلفت، بمصاعبها وأفراحها، وأن نتذكر بأن هناك دائماً مجال لازدهار المحبة في العالم الذي بداخلنا والعالم الذي بخارجنا.


محبتي،
أمل جعفر

1 comment:

Hadya said...

الاستسلام...كما افهمه ويطابق مادونتيه....الثقة بالله والرضا ...فيكون لاخوف ولاقلق بما سيحدث لاننا على ثقة بأن كل مافي الكون لنا ومايحصل لنا الا الخيرفعندما نسلم امرنا له يدبرها بأفضل مايكون...