15 June 2008

Misr..


حالما أخذت قدماي بالقفز فوق أرضية مطار القاهرة الزلقة حتى تذكرت العمة نوال السعداوي وهي دوماً تصف كل شيء في مصر بصفة واحدة تكررها و تكررها: "إكتظاظ". عندما حدقت في مستشفى القصر العيني عرفته قبل أن أرى أسمه المغطى بسجادة خضراء.. لم أتصور أن يتجاوز أثر نوال في ذاكرتي وصفها لقضياها الأساسية و يحيك في مخيلتي صورة صديقة قديمة قد إلتقيتها لتوي..

أجساد مكتظة بمباني الطوب و الطوب وحده، مدينة الموت "القرافة" تصرخ من خلف أجيال المقابر و تصب في نيل يتأرجح بين النعاس و النوم، مبان من كل عصر مزخرفة، لون الطين يغطي الكل.. الفقر المدقع يخرج من أنفاس الجميع مع عوادم السيارات الهائجة.. جنون في أغرب الأشكال، ألوان من الكبت الجنسي و ألوان من الكبت السياسي..

هطلت على وجهي الأمطار في أول ليلة لي في المدينة و أنا في وسط كوبري قصر النيل، أتارجح بنشوة بين أسوده.. حدقت في نيل مصر طويلاً.. في أشجاره التي لا تعطش، حدقت في مياهه الملوثة بألف مرض، في القوارب و السياح المهووسين بالأهرام.. سلمت نفسي لمصر، بجنونها و كبتها.. منذ تلك اللحظة و "معاكسات" الشباب لي أردها بإبتسامة، و القذارة شفافة لا تعني شيئاً.. سلمت نفسي للمدينة.. أكلت أكلها، شربت نبيذها و بيرتها، مرادفاتها تزحلقت فوق لساني دون وعي، ترابها غطى قدمي بغير خجل.. منذ تلك اللحظة و كل غريب مضحك.. حتى تعليقات زملائي الارستقراطية المتململة ساقتني لأن أشفقت عليهم..(لا بد أن أعود مرة أخرى مع أناس طبيعيين لأغوص في جنون القاهرة عن قرب..)

خرجت عيناي و أنا في تاكسي بمحاذاة كورنيش النيل الى "عربية" العائلة الى جانبي.. خارج نافذة الـ"عربية" طلت فتاة حنطية البشرة، ألوانها كألواني، عينيها كعيني.. حدقت فيهما حتى واصل أباها دفع صندوقه الصدئ إلى الأمام، أرسلت لها قبلة من قلبي و تمنيت لها حياةً نيرة لا تسير فيها مع القطيع المقموع..

بزغت الأهرام و الشمس تنحني بعيداً عند شاطئ النيل.. تعالت أصوات هوليوودية دراماتيكية تمجد الأهرام و الحكام الفراعنة الذين إستعبدوا الآلاف من المصريين على أمل أن تحيا أرواحهم الجشعة ثانيةً.. و تمجد المهندسين الذين باعوا عبقريتهم للسلطة.. المحزن أن أكثر الهدايا التذكارية في خان الخليلي تحمل صور السلطة الفرعونية و ليس النيل و أسوده وجسوره و مراكبه..

أما ال"حبّيبة" الذين تبرق إنعكاسات وجناتهم على شاطئ النيل فلقد أدمعوا قلبي على قدر ما أشعروني بجزء من الأمل.. راحات أيدٍ متعانقة، أحضان كالرعد تعد بالمزيد، دراما، أعين حالمة في طريق قبلتين خاطفتين خجلتين.. حب.. دفق أمل لغدٍ أكثر راحة رغم كل الفقر الذي يمزق ما بقى من حياة..

عبق الحضارات لا يحتاج إلى ورود أنحني لها لأشاركها عطرها، عبقها حلو المذاق، يأتي من دون دعوة ليجلس على حفة فنجان الشاي بالنعناع، كالباعة المتجوليين و موسيقاهم، كالنسيم القديم النابض بأنغام زهرة اللوتس الضخمة التي ولدت عليها القاهرة..

نبض القاهرة و نبض العشاق و نبض النيل و نبض كل أنواع أشجاره نبض واحد.. يمتد من مولد الشمس إلى عين من عاشرها.. و يبقى كل من زارها يسكنها عن بعد..


أمل - يونيو 2008

2 comments:

Butterfly said...

كلمات جميلة ونص موفق جدا شعرت به

وكأني ما زلت في مصر. لو كنت مكانك لما أهدرت هذه الموهبة الجميلة ولكتبت المزيد باللغة العربية.

بدون مجاملة .. من أجمل ما قرأت لك حتى الآن.

تحياتي

سمر said...

اتعجب من صغر حجمج وكبر قلبج وكمية الدفى اللي فيج امول

ملايين الناس تنظر الى نفس الشي بس مو كلهم يشوفون نفس الشي , انتي من الناس اللي تشوف الحلو في كل شي وتقدر كل شي

اموت فيش يالنتفه

سمر